محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
514
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وإلّا لارتفعت حجّة اللّه على الخلق وتوجّهت حجّة الخلق على اللّه - عزّ وجلّ - . والوجه العاشر : دع هذا كلّه ، وهب أنّه ادّعى النبوّة وعريت دعواه عن البيّنة ، وتوّقفت الدعوة على إظهار المعجزة أو لم تتوقّف ، أليس النبيّ هو الذي يدعو إلى اللّه على بصيرة ؟ أليس يقول : أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربّي ؟ أليس هو المنادي للإيمان ؟ أليس هو النذير العريان ؟ فلئن وجب على المستجيب أن يجيب الداعي على بصيرة ويصدّقه عن بيّنة ، فلقد وجب للنبيّ الدعوة ؛ إذ قد حصلت بصيرته وطهّرت عند بيّنته ؛ فهو إذا جمع بين طرفي نقيض ؛ فلئن تأخّر تكليف المدعوّ حتّى يتبيّن عنده صدق الداعي ؛ فلقد تأخّر تكليف الداعي أيضا حتّى يتحقّق عنده صدق المدعوّ ؛ فلا يؤدّي إلى تكليف ما لا يطاق ، ولئن تنجّز تكليف الداعي ( 224 ب ) بالدعوة ؛ إذ تبيّن صدقه وهو على بيّنة من ربّه ، فمن ينصره من اللّه إن عصاه في الدعوة إليه ؟ فليتنجّز تكليف المدعوّ بالإجابة من غير توقّف على ظهور المعجزة ، وما يؤمنه أنّها إذا جاءت لا يؤمنون ؟ ولهذا السرّ قال اللّه تعالى لنبيّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - حين طالبوه بالآيات : قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ؛ * فليس يلتفت نبيّ قطّ إلى جانب المدعوّ ، عرف نبوّته أو لم يعرف ؛ وتبيّن صدقه عنده أو لم يتبيّن ؛ وقد استوفينا الوجوه العشرة في إجابة السؤال وحلّ الإشكال ؛ وفي الخاطر بعد زوايا أفكار غير نضجة وسأنضجها إن شاء اللّه ثمّ أخرجها في آيات أخرى . قوله - جلّ وعزّ - : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 109 ) النظم [ و ] النزول لمّا نهى اللّه تعالى المؤمنين عن سؤال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - إظهار الآيات والمعجزات كما سئل موسى - صلوات اللّه عليه - من قبل بيّن بعد ذلك أنّ حسد اليهود بلغ مبلغا يردّ المؤمنين كفّارا بالتحكّم على النبيّ وطلب الآية منه ؛ فأمرهم بالتسليم ومكارم الأخلاق وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة .